الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
155
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فالبرّ هو الوفاء بما جاء به الإسلام ممّا يعرض للمرء في أفعاله ، وقد جمع اللّه بينه وبين التّقوى في قوله : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [ المائدة : 2 ] فقابل البرّ بالإثم كما في قول النبي صلى اللّه عليه وسلم في حديث النّواس بن سمعان المتقدّم آنفا . وقوله : وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ تذييل قصد به تعميم أنواع الإنفاق ، وتبيين أنّ اللّه لا يخفى عليه شيء من مقاصد المنفقين ، وقد يكون الشيء القليل نفيسا بحسب حال صاحبه كما قال تعالى : وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ [ التوبة : 79 ] . وقوله : فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ مراد به صريحه أي يطّلع على مقدار وقعه ممّا رغّب فيه ، ومراد به الكناية عن الجزاء عليه . [ 93 - 95 ] [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 93 إلى 95 ] كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 93 ) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 94 ) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 95 ) هذا يرتبط بالآي السّابقة في قوله تعالى : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا [ آل عمران : 67 ] وما بينهما اعتراضات وانتقالات في فنون الخطاب . وهذه حجّة جزئية بعد الحجج الأصليّة على أنّ دين اليهودية ليس من الحنيفية في شيء ، فإنّ الحنيفية لم يكن ما حرّم من الطّعام بنصّ التّوراة محرّما فيها ، ولذلك كان بنو إسرائيل قبل التّوراة على شريعة إبراهيم ، فلم يكن محرّما عليهم ما حرّم من الطعام إلّا طعاما حرّمه يعقوب على نفسه . والحجّة ظاهرة ويدلّ لهذا الارتباط قوله في آخرها : قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [ آل عمران : 95 ] . ويحتمل أنّ اليهود - مع ذلك - طعنوا في الإسلام ، وأنّه لم يكن على شريعة إبراهيم ، إذ أباح للمسلمين أكل المحرّمات على اليهود ، جهلا منهم بتاريخ تشريعهم ، أو تضليلا من أحبارهم لعامّتهم ، تنفيرا عن الإسلام ، لأن الأمم في سذاجتهم إنّما يتعلّقون بالمألوفات ، فيعدّونها كالحقائق ، ويقيمونها ميزانا للقبول والنّقد ، فبيّن لهم أنّ هذا ممّا لا يلتفت إليه عند النّظر في بقيّة الأديان ، وحسبكم أنّ دينا عظيما وهو دين إبراهيم ، وزمرة من الأنبياء من بنيه وحفدته ، لم يكونوا يحرّمون ذلك .